رواية اسيرة الماضي الفصل الثالث 3 بقلم رانيا البحراوي

 


 رواية اسيرة الماضي 

الفصل الثالث 3

بقلم رانيا البحراوي


ظلت منة تستغيث وتصرخ وكلما زحف منصور نحوها ازدادت صراخاتها الا ان فقد وعيه عند قدميها، طرقت الباب بقوة تطلب النجدة، اخيرا استطاعت استغاثتها اختراق أذان احد المارة وقام بكسر الباب ولكنه سرعان مالاذ بالفرار حين رأى منصور غارقا بالدماء، خرجت منة من المتجر، اخذتها قدمها إلى منزل جدتها دون غير مدركة لما حدث، فقدت عقلها مابين الهذيان والخوف

حين راتها جدتها ورأت ثيابها ملوثة بالدماء صرخت وظلت تسألها ولكن منة لم تستطع النطق بكلمة واحدة من أثر الصدمة.


بعد قليل من ذهاب منة دخل إلى المحل احد الزبائن على معرفة وثيقة بمنصور وعندما رأي حالته اتصل على الفور بأبنه الأكبر يدعي جمال ضابط شرطة برتبة رائد، أسرع إلى الفور إلى متجر والده واتصل بالاسعاف، بالكشف عليه تبين أنه مازال حيا ونقلته سيارة الإسعاف إلى المستشفى، اتصل جمال بأحد زملائه وطلب منه اكتشاف مجريات الحادث.


ذهب فريق كامل إلى مكان الحادث وبتفريغ الكاميرات الخارجية للمحل شاهدوا دخول وخروج هذه الطفلة الصغيرة وباستجواب بعض العملاء استطاعوا التوصل إلى عنوان الطفلة.


عند مداهمة منزل منة كانت لازالت تحت تأثير الصدمة بسريرها لانائمة ولا مستيقظة تبكي بحضن جدتها.


تم أخذ الطفلة من حضن جدتها، أسرعت الجدة تتصل بابيها فلم تستطع الوصول إليه لأن هاتفه معطل اتصلت هاتفيا بزوجته وطلبت منها أن تبحث عنه وترسله لها على الفور.


اخفت الزوجة على والد منة اتصال والدته متعمدة ذلك 

ومر الليل بأكمله دون أن يذهب إلى القسم، وجدتها مسنة لاتستطيع الحركة. 


رغم ذلك طلبت من أحد الجيران نقلها بسيارة أجرة إلى القسم لترى بأي سبب أخذت حفديتها. 


استطاعت منة رغم صدمتها أن تخبر الضابط ببعض كلمات أدرك بها ماحدث، تم التحفظ على منة بغرفة حتى لايتحدث معها احد غيره، قام هذا الضابط الذي حقق بالواقعة بالاتصال بجمال بالسر وأخبره بما تتفوه به الطفلة. 


ترك جمال المستشفى على الفور وذهب إلى القسم وهناك طلب من زميله  أن يحرر محضر ضد الطفلة يتهمها بالسرقة، وان سبب إصابة منصور هو اكتشافه للطفلة متلبسة بالسرقة فطعنته حتى تفر هاربة. 


ذهب جمال على الفور وقام بتصليح الباب ليلا وتم مسح تسجيلات الكاميرات التي سجلت لحظة كسر الباب من قبل أحد المارة. 


وصلت جدتها إلى قسم الشرطة ولم تستطع رؤية حفديتها. 


ظل منصور ينزف حتى فقد حياته بالمستشفى دون أن تعلم زوجته بماحدث. 


جمال مازال يحارب حتى لايفضح أمر والده، رغم أن الحقيقة واضحة أمامه وخاصة الحالة التي نقل بها والده إلى المستشفى، واستطاع طمس هذا الدليل أيضا. 


منة تنتقل بين المكاتب دون أن تعي مايحدث معها، لم تكن تعلم أن لديها القوة التي تكفي لذلك ولكنها حين رأت 

انه يخلع ملابسه أشارت إليه بالسكين كي تخيفه مثلما ترى بالافلام ولكنه ظل يقترب منها حتى حدث ماحدث. 


زوجة والد منة لم تخبره باتصال والدته وهو كعادته لم يسأل، والجدة مازالت تجلس أمام القسم. 


بوفاة منصور تحولت القضية على النيابة وأثبت جمال بصمتها التي على السلاح وايضا شهد زميل جمال الذي قام بالقبض على منة أن النقود كانت بمنزلها لحظة القبض عليها، مبلغ الف جنيه تمت سرقته من المحل وأنه حين اكتشف منصور السرقة طعنته وفرت هاربة. 


الجدة طلبت من أحد الجيران الذهاب إلى منزل والد منة والبحث عنه وبالفعل تم الوصول إليه نائما بمنزله وتوجه على الفور إلى القسم وهناك تم حجزه من قبل زميل جمال ووضع بالحجز لأجل غير معلوم ودون أن يفهم شيئا. 


بعد فترة تحولت القضية إلى محكمة الحدث لأن الطفلة لم تتجاوز الخمس عشر سنة وحكم عليها بالايداع في احدى مؤسسات الرعاية خمس سنوات لأن القتل لم يكن عمدا فهي طعنته كي تهرب منه بالمال الذي سرقته، ولم يستمع القاضي لاقوالها وتم الالتفات فقط للأدلة. 


كل هذه الأحداث ومنة مازال عقلها لم يستوعب بعد المخططات التي تدار حولها ظنت انه حلم سيئ وستنهي كل ألامها وحزنها حين تستيقظ منه. 


واستيقظت منة من الحلم السئ على كابوس أكبر حين وجدت نفسها بين جدران مؤسسة الرعاية، لم يخيل لها عقلها أنها فقدت حريتها وأصبحت سجينة هذه الجدران 

كانت تظن نفسها بإحدى المستشفيات العامة حتى تخرج من صدمتها. 


نظرت إلى الأطفال اللذين حكموا مثلها ولكنهم ابدا لم يشبهونها، لاتستطيع نعتهم بالأطفال ماهم الا مجرمون بأجساد صغيرة وتهم كبيرة. 


اقتربت واحدة منهن ودفعتها بقوة وطلبت منها إلا تقترب من سريرها. 


منة :أين سأبقى إذن؟ 

ردت عليها بألفاظ مسيئة بأي مكان ولكن لاتجعليني أرى وجهك هذا 


تم الإفراج عن والدها بعد التحقيق معه على أنه حرض ابنته على السرقة ولكنه نفى التهمة عنه بشدة وانساه خوفه  أن ينفيها عن إبنته. 


الجدة ليس بيدها شيئا سوى الانتظار وعندما عاد ابنها من دون منة ظلت تبكي وطلبت منه أن ياخذها إلى المكان الذي به منة. 


الأب بصوت اجش :ليس لدي بنات فقد رأيت الذل بسبب فعلتها. 

الجدة :انها ابنتك الوحيدة وعليك أن تستمع لها قبل أن تحكم عليها. 

الأب :وهل سافهم أكثر من الشرطة والمحكمة، سرقت بهذا العمر الصغير فماذا ستفعل إذا كانت أكبر من ذلك لاتذكري اسمها أمامي مرة أخرى. 


ليس كلام الأب ولكنها كلمات املتها عليه زوجته حين زارته بالقسم وملات بها أذنه وقلبه. 


استطاعت الجدة بمساعدة الجيران الوصول إلى مكان منة وزيارتها


الدار بالعجوزة تبعد عن وسط القاهرة حوالي سبعة كيلو مترات، المؤسسة عبارة عن مبنى واحد من طابقين يحتوي الطابق الأول على مكتب مديرة الدار ومكاتب الاخصائيات الاجتماعيات، وجميعهن يعاملن النزيلات بشكل إنساني الا أخصائية واحدة تدعي سوسن تعاملهن بشكل سئ تضربهن ولاتتهاون في أخطائهن وأسهل مالديها الضرب بالعصا وأحيانا تصل العقوبة إلى قص الشعر، جميع النزيلات يخافن منها.


حمدلله لم تتقسم النزيلات بجرائمهن وأنما باعمارهن وإلا وضعت منة مع اخطارهن من القتلة

تقسم الفتيات كالتالي

أسرة الطلائع من عمر ١١ إلى ١٣

أسرة العبور من ١٣ إلى ١٤

أسرة السلام من ١٤ إلى ١٦


وضعت منة مع أسرة الطلائع

منذ أن دخلت المكان وهي تشعر بالاغتراب والوحدة

كلما اقتربت منها أحدهن ارتجفت وارتبكت ولم تسمح لهن بالتحدث معها، في الصباح الباكر وقبل أن يفتح العنبر تقمن الفتيات بتنظيف المكان وتنظيمه قبل أن تفتح الاخصائيات الباب.

لاحظت منة اضطراب الفتيات وخوفهن وسرعتهن البالغة

ظلت منة بمكانها ولم تساعدهن، ولم ترتب سريرها لاتعرف ماينتظرها.


فتحت الأخصائية سوسن الباب كي تشرف على نظافة المكان لتجد منة مازالت بمكانها، أمسكت بشعرها وضربتها بالعصا ومنة مازالت ساكنة لم تبكي ولم ترتجف يدها مثلما كانت ترتجف أمام عصا استاذها بالمدرسة

لا لأنها اعتادت على الضرب ولكن طغى ألم قلبها على الألم الذي تسببه العصا.


ظلت سوسن تترقب منة حتى تنظف سريرها ولكن منة لم تحرك ساكنا الا ان دخلت إحدى العاملات واخبرتها أن لديها زيارة، لحقت منة بالعاملة وشعرت أن جدتها أتت لنجدتها. 


 عانقتها منة على الفور وكانت بحالة فزع شديد وطلبت من جدتها أن تأخذها من ذلك المكان. 


بكت الجدة واخبرتها بأنها ستبقى بهذا المكان طيلة خمس سنوات وعليها أن تصبر. 


هنا فاقت منة من صدمتها النفسية واخبرت الجدة بما حدث وأنها لم تفعل شيئا وإن الأداة كانت بجانبها وامسكت بها حتى تخيفه فقط وهو الذي اقترب وعندما أراد اخذ السكين منها، أصيب دون أن تتعمد ذلك. 


سألتها الجدة :لماذا لم تخبري الضابط بهذا الكلام. 

منة :أخبرته بما تذكرته. 

الجدة :فماذا حدث بعد ذلك؟ 

منة :لا أعلم. 


ظروف جدتها الصحية والمادية منعتها من متابعة القضية أو فتحها مرة أخرى. 


وكل مافعلته انها طلبت من منة الابتعاد عن أطفال دار الرعاية وعدم مخلاطتهم حتى تظل بريئة نقية عندما تغادر هذا المكان. 


وطلبت منها أن تجتهد وتذاكر، منة أعلنت العصيان وقالت لن اذاكر ولن اكل ولن انام في هذا المكان من فضلك لاتتركيني هنا وتذهبين انا خائفة. 


انتهى موعد الزيارة وأنتزعت منة من حضن جدتها بالقوة

والدموع من رافقت كلاهما فقط في وحدتهن. 


عادت منة لتجد أن عصا سوسن بانتظرها وعلمت أن ليس لها مفر من عصا سوسن الا بالعمل الجاد. 


 اعتادت على المكان ولكنها لم تعتاد على زميلاتها بالمكان ولم تكون اي صداقات. 


بالنسبة للتدريس هناك خمس معلمات ولكن تنقص الكتب الدراسية ويدرسن الفتيات بالدار من خلال الأوراق التي تكتبها المدرسات أثناء الشرح. 


اكتشفت إحدى المدرسات تفوق منة وسرعة استيعابها وطلبت منها مساعدة زميلاتها بالقسم، رفضت منة ذلك. 


وظلت منة هكذا تنفر  من زميلاتها ولا تتحدث معهن هناك فتاة شعرت أن منة تشبهها وهادئة مثلها تدعى سالي. 


حاولت سالي كثيرا التقرب منها أثناء تناول الطعام أو أثناء ممارسة الأنشطة مثل التطريز والتفصيل ولكن منة لم تتقبلها، أصبحت منة عرضة للتنمر من زميلاتها ولكنها لاتهتم. 


ذات صباح مرضت منة ولم تستطع ترتيب سريرها أو مساعدتهم في تنظيف العنبر، شعرت سالي أن منة ستتعرض للعقاب لأن سوسن لا تهتم بمرض إحداهن لاتنظر الا لنظافة المكان، أخذت سالي بيدها وقامت بتنظيم السرير نيابة عن منة. 


شكرتها منة ورغم ذلك ظلت خائفة لأنها تعلم أن الفتيات يكرهونها ومن المؤكد أنهن سيخبرن سوسن أن منة لم تساعد اليوم في التنظيف. 


دخلت سوسن وقامت بالإشراف على نظافة المكان دون أن تخبرها أحدهن بشئ. 


شعرت منة بالامتنان لهن وشكرتهن، نشأت علاقة جديدة بين منة والفتيات وبدأت تساعدهن في فهم الدروس وخاصة الرياضيات. 

وهكذا تقربت منةمنهن تدريجيا. 

بعد أن قضت منة عامان في الدار التحقت بالدار فتاة مشاغبة تتدعى ثريا تتشاجر مع الجميع ذات سلوك سئ والجميع كان يبغضها من مديرة الدار إلى عاملات المطبخ وكانت عرضة للعقاب والتوبيخ دائما. 


باقي ج٣ 

تعاطفت منة مع الفتاة وشعرت أن ماتقوم به الفتاة إلى ردة فعل إثر فقدانها حريتها كالشاه عندما تفقد حياتها وينتفض جسدها، اقتربت منة من ثريا تحاول التحدث معها، دفعتها ثريا فوقعت وأصيبت منة بكسر بقدمها تم نقلها إلى المستشفى بحراسة الأمن ومعها مشرفة من الدار. 


علمت سوسن بما حدث وأخذت ثريا وحبستها في غرفة العقاب وضربتها بقوة وتركتها بالغرفة واخبرتها انها ستقص شعرها أمام كل الفتيات بطابور الصباح. 


منة بمجرد خروجها من الدار نسيت المها وظلت تشاهد السيارات والطرق من نافذة السيارة، كالطائر في القفص تتمنى أن تفرد أجنحتها في سماء الحرية وتطير. 


بالمستشفى رأت ابا يحمل صغيرته ويدخل بها المستشفى 

كاد أن يفقد عقله من القلق عليها. 

تذكرت منة بهذه اللحظات أنه كان لديها أب أعلن تخليه عنها دون أن يستمع إليها وليس هي فقط التي تم التخلي عنها فمعظم نزيلات الدار لا يزرهن احد. 

بعد وضع قدمها بالجبس عادت منة بنفس السيارة وتمنت الا ينتهي الطريق ابدا. 


نامت منة إثر المسكنات التي وصفها لها الطبيب وفي الصباح سمعت تهامس الفتيات أثناء التنظيف أن سوسن ستقص شعر ثريا بالطابور. 


بعد قليل فتح الباب وانطلقت الفتيات نحو الفناء وظلت منة تسير بقدم واحدة الا ان وصلت الفناء بصعوبة كي تتطلب من سوسن أن تتركها فإن ليس لثريا ذنب في إصابة قدمها. 


اقتربت سوسن من منة واتهمتها بالكذب وسألت باقي الفتيات الائي شهدن بنفس كلام منة. 


تركت سوسن ثريا وهي تعض على اناملها إثر الغيظ وخاصة عندما حولتها المديرة للتحقيق لمعاقبة ثريا وحبسها دون دليل. 


ترودت ثريا واقتربت من الفتيات مثلما حدث مع منة تماما بدأت علاقتها بالرفض والان توطدت علاقتها بالجميع. 


مرت الايام ولكن هل سرقت الايام طفولتها عن أي طفولة نسأل وهل عاشت من قبل طفولتها هل لعبت يوما، هل نامت يوما تعانق ثوبها الجديد ليلة العيد، هل ذهبت يوما لمدينة العاب أو رحلة مدرسية. 


هل استطاعت يوما أن تأكل حتى تشبع أو تنام حين يغلبها النعاس إثر لعبها طيلة اليوم دون توقف، هل كانت طفلة حقا، بعض الأطفال لم يكتب لهم أن يعيشوا مثل الأطفال، ولايعلموا معنى دلال الأطفال أو البكاء من أجل لعبة يريدونها او دمية ينامون بجوارها. 


ولدت منة بمسئوليات على كاهلها انستها معنى الطفولة. 


مرت الايام والشهور والسنوات وانقضت مدة الخمس سنوات وفارقها الفتيات بدموعهن كانت بالنسبة لهن الصديقة المحبة التي تساعد الجميع. 


استردت منة حريتها ولكن هل خرجت من الدار بنفس النقاء الذي دخلت به 

ام فرضت عليها الايام غير ذلك. 


أصبحت بعمر الخامسة عشر اي أنهت الإعدادية والتحقت بالثانوية، هل ستطوى صفحات الماضي وتتدخل المدرسة الثانوية بصفحات جديدة بيضاء، أين جدتها واين والدها. 


هذا ماسكتشفه من خلال السطور التالية.


                   الفصل الرابع من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات