رواية اسيرة الماضي الفصل الاول 1 بقلم رانيا البحراوي


 رواية اسيرة الماضي 

الفصل الاول 1

بقلم رانيا البحراوي 


(علمتني الحياة) 

منة تبلغ من العمر عشر سنوات تعيش مع جدتها المسنة بعد وفاة والدتها تزوج ابيها وتركها مع والدته امتثالا لرغبة زوجته الجديدة ورغم ذلك لم تكرهه وظلت محتفظة بمكانة والدها بقلبها. 


والدها ينفق عليها هي وجدتها و ولكنه لايغطي كل احتياجاتهم لم تشعر يوما بأنه ذلك الأب المسئول الذي تستطيع الاعتماد عليه كانت تتمنى ان تشعر بوجوده عندما تحتاج إليه ولأنها كانت تحبه غفرت له تقصيره بحقها، كم نامت الليل باكية احتياجا لأبيها اشتياقا لأمها. 


ورغم ظروفها هذه لم تنظر يوما لما يتمتع به غيرها من زميلاتها بالمدرسة ، في الوقت الذي كان يتمتع به زملائها وزميلاتها بصناديق الطعام الممتلئة بما تشتهي الأنفس كان الجوع يعتصر معدتها ورغم ذلك لم تتطلب من أحد شيئا فهي عزيزة النفس غنية بما زرعته بها والدتها بالسابق وجدتها حاليا. 


كانت تستغل وقت الفسحة في المذاكرة والذهاب إلى المدرسين بغرفتهم لتسأل على كل مالم تتداركه وقت الحصة لأنه لم يكن لديها رفاهية الدروس الخصوصية. 


كانت طالبة متميزة تتحدث بلباقة واثقة بنفسها مجتهدة احبها كل مدرسي المدرسة وحتى هؤلاء المدرسين اللذين لم يدرسوا لها من قبل ولكن لاحظوا عليها حب الدراسة والجدية والاجتهاد لاكتساب المعلومة. 


احيانا كانت تصل لغرفة المدرسين فتجد المدرس مشغول بالانتقال إلى حصته فتساعده في حمل ادواته مستغلة هذا الوقت القصير لاكتساب معلومة أو فهم عنصر صغير في درس ما. 


لم تقهرها ظروفها وشعرت أن لديها من الطاقة مايجعلها مثل هؤلاء المعلمون يوما، تمنح العلم بالحب وليس بالقسوة أو الإجبار. 


أحبت منة كل المواد الدراسية إلا مادة العلوم وذلك بسبب تعنت وقسوة استاذ هذه المادة الذي كان لا يلتمس لها الأعذار عندما لاتستطيع شراء الأدوات التي يطلبها منها ولاتقوم بأي نشاطات مثل باقي زملائها. 


كان دائما يسألها بقسوة عن سبب عدم جلب أدواتها وكانت تخجل أن تخبره أن ظروف اسرتها المادية لاتسمح بشراء هذه الأدوات وكانت تفضل الصمت دائما مما يزيد غضبه ويجعله يضربها بقوة، أهملت مذاكرة هذه المادة مما جعله يغضب أكثر كلما سألها سؤال ولاتعرف إجاباته. 


عندما تعود للمنزل كانت تخفي يداها المتورمة حتى لاتحزن جدتها. 


جدتها لأبيها تمتلك قلب حنون تحاول تعويضها فقدان الأم ولكنها لاتستطيع، كانت تزرع فيها التعاليم الدينية من صلاة وصوم، استمر والدها في تقليل النفقات التي يرسلها لهما حتى امتنع تماما عن الإرسال ، الجدة لديها اخ أصغر منها كان يرسل لها بعض المال ولكنه كان لايزورها مطلقا لأنه بمحافظة أخرى. 


ذات يوم قام والد منة بزيارة منزل والدته ليقترض بعض المال انزعجت منة بشدة وقالت هذه أموال ادخرتها جدتي ثمنا لأدويتها. 


الأب :اطلبي من خالي أن يرسل لك المزيد ياأمي. 

منة :ولكنه لن يرسل لها سوى مرة واحدة بالشهر  فكيف ستصمد جدتي دون ادويتها؟ تعلم أنها َصابة بجلطة وعلاجها يتكلف الكثير من المال. 


دفعها والدها بغضب وطلب منها أن لا تتدخل بينه وبين والدته وانصرف. 


خافت منة أن تتعرض جدتها لأزمة صحية إذا امتنعت عن تناول الدواء في موعده، في اليوم التالي أثناء عودة منة من المدرسة قررت البحث عن عمل يناسب عمرها سألت في متجر الحلوى والصيدلية ولم تجد عمل يناسبها مرت علي أحد المتاجر بطريقها (جزارة) وسألت عن عمل. 


نظر صاحب المتجر  لها نظرة خبيثة لم تفهمها الصغيرة  ووافق على الفور وخاصة أنه لا يعمل لديه من يساعده. 


عادت منة سعيدة جدا انها وجدت عمل كي تستطيع توفير ثمن أدوية جدتها وتلك الأدوات التي تعاقب على عدم إحضارها منذ عدة أسابيع  ولكنها لم تخبر جدتها بذلك وقالت إنها ستحصل على دروس تقوية مجانية بالسنتر المجاور للمدرسة. 


الجدة :وهل هناك شئ مجاني بزمننا هذا. 

منة :أن مدرسي يشعر بأنني متفوقة رياضا وطلب مني أن امثل المدرسة في مسابقة أوائل الطلاب المقامة بالوزارة وطلب مني الحضور مجانا حتى تتشرف المدرسة بي. 

هذا الأمر لم تكذب فيه منة، كذبت فقط بأنها تحتاج إلى تقوية الحقيقة أن المدرس يرى أنها متفوقة بل نابغة في مادة الرياضيات ولاتحتاج لأي تقوية. 


في اليوم التالي انتهت من يومها الدراسي وذهبت إلى المتجر، صاحب المتجر يدعي منصور حاد الطباع منعدم الأخلاق وليس لديه ضمير فإنه يغش عملائه وييع اللحم المستورد  بثمن المحلي الطازج. 


ذهبت منة إلى المتجر بأول يوم لها للعمل بالمتجر قدم لها منصور ثياب كي تعمل بها وعندما دخلت كي تبدل ملابسها. 


المحل به غرفة تخزين صغيرة يضع بها منصور ثلاجات التخزين وطاولة كبيرة يقوم بفصل اللحم عن العظام عليها، ظل ينظر عليها من ثقب الباب رغم عمرها الصغير الا انها لفتت نظره إليها ليس فقط لأنها جميلة ولكن لأن جسدها يبدو أكبر من عمرها. 


رغم أن رائحة الغرفة لاتحتمل والدماء تتناثر بكل مكان الا ان منة كانت متحمسة جدا لأول يوم عمل. 


خرجت لتسأله ماذا تفعل، طلب منها تنظيف الأرضيات وعلمها كيف تفرم اللحم على مفرمة صغيرة لديه بالمتجر 

وطلب منها أن تبتعد عن الادوات الحادة التي يستخدمها في تقطيع اللحوم هو فقط الذي يستطيع لمسها أو تنظيفها. 


كلما زار احد العملاء المتجر أعجب بكفاح منة وقدم لها بعض المال مكافئة لها، كانت ترفض في بادئ الأمر ولكن منصور قام باقناعها أن هذه الأموال ليست صدقة وأنما تقديرا لعملها، كانت ترى بعين العملاء نظرات إعجاب مما يدفعها للعمل أكثر، كانت تساعدهم في أخذ أكياس اللحم إلى منازلهم وكانت تطرح عليهم أسئلة في الأمور الحياتية أثناء ذلك، كم كان لها عقل واعي فكانت تستطيع إخراج المعلومة الصحيحة من الشخص الصحيح. 


استطاعت بأول اسبوع  بالعمل تدبير بعض المال ومرت على الصيدلية التي تشتري منها جدتها الدواء ودفعت المبلغ الصغير الذي لديها وطلبت من الطبية الصيدلانية أن تبقيه معها حتى تستطيع تجميع باقي المبلغ. 


سألتها الطبيبة عن مصدر المال فاخبرتها عن عملها وطلبت منها منة إلا تخبر أحد بأمر عملها وخاصة جدتها. 


عانقتها الطبية واخبرتها انها معجبة بها جدا وعرضت عليها أن تعطيها الدواء كامل مقابل هذا المبلغ الصغير رفضت منة ذلك فاقترحت عليها الطبية أن تأخذ الأدوية مقدما وان تدفع باقي المبلغ عندما يتوفر لديها. 


أعجبت منة بالفكرة ووافقت على أخذ الدواء، عادت منة ومعها الأدوية واخبرتها أن الطبية قدمت لها الأدوية دون مقابل رفضت جدتها قبول الأدوية، اقنعتها منة أن تأخذ الأدوية وتسدد ثمنها الشهر القادم عندما يرسل لها أخيها المال. 


شعرت جدتها انها بحاجة للدواء فقط لكي تستطيع رعاية منة التي لم يتبقى لها سواها وابيها التي لاتستطيع الاعتماد عليه أو اللجوء له إذا حدث لجدتها اي مكروه. 


رغم أن منة كانت منهكة جدا حين عادت للمنزل ولكنها لم تتكاسل عن الأعمال المنزلية وأيضا واجباتها المدرسية ومذاكرتها. 


زرعت جدتها بها حب الله والمواظبة على الصلاة والصوم سواء فرض أو نافلة. 


فتاة جميلة مجتهدة يحبها الإنسان بمجرد رؤيتها ويحبها أكثر ويحترمها إذا علم بظروفها. 


بعد ما دفعت منة ماكسبت طوال الأسبوع للصيدلية لم يتبقى لها ماتشتري به تلك الأدوات التي طلبت منها وعلمت انها ستعاقب في اليوم التالي رغم ذلك لم تهتم لما سيصيبها يكفيها الا يصيب جدتها مكروه فهي آخر من تبقى لها. 


ذهبت في اليوم التالي وهي تعلم ماينتظرها وتدعو الله أن ينجيها من عقاب هذا المدرس وقبل أن تدخل إلى الفصل كانت بانتظارها ام صديقتها التي تجلس بجانبها قدمت لها الأدوات كاملة وأخبرتها انها جائت اليوم كي تشتكي على هذا المدرس المتحجر القلب بعد ماسمعته من ابنتها. 


يا لجمال هذه العين الصغيرة وهي تبكي فرحا لا لأنها امتلكت الأدوات ولكن لأن هناك من يهتم لامرها ويدعمها ويقف بجانبها ضد اضهاد هذا المدرس. 


قبل أن تمد منة يدها الصغيرة لأخذ الأدوات اشترطت على والدة زميلتها أن تقبلها بصفة دين ترده عندما يتوافر لديها،تعجبت الأم من لباقتها وشخصيتها الجميلة عانقتها الأم وقالت لاعليك انا لن اطلب منك رده. 

قالت إذن لن اقبله وإدارات ظهرها للأم كي تدخل الفصل أمسكت الأم بيدها وقالت أوافق على هذا الشرط اقبليها إذن. 


دخلت منة تعانق الأدوات ومن سعادتها لم تدخلها إلى حقيبتها المتهترة التي تملكها من الصف الأول الان بالصف السادس الابتدائي ووضعتها بدرج المقعد الذي تجلس عليه. 

بعد قليل جائت إحدى العاملات تخبرها أن هناك شكوى تقدمت في المدرس بسببها ويريد المدير الاستماع لها بهذا الشأن. 


عندما ذهبت إلى المدير طلب منها أن تحكي له كل ماحدث من ذلك المدرس  وأخبرها أنه سيحميها منذ اليوم، حكت منة له كل شئ وأخبرته انها أصبحت تملك الأدوات الان وستلتزم منذ اليوم بكل مايطلبه منها الأستاذ، ولكنها بمدرسة حكومية وان وعود المدير ليس إلا كلاما مزينا يهدئ به قلب هذه الأم التي جائت من منزلها شفقة على هذه الطالبة المسكينة. 


استدعى المدير المدرس وأخبره بالشكوى المقدمة ضده وطلب منه أن لا يضرب منة مرة أخرى. 


عادت منة إلى الفصل تبحث عن الأدوات كي تكتب عليها اسمها فلم تجدها بحثت وبحثت ولم تجدها سرقت الأدوات. 


توجه المدرس غاضبا إلى الفصل يتقدم نحوه بخطوات سريعة بينما منة تبحث عن أدواتها المفقودة بدموعها.


               الفصل الثاني من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات