رواية اسيرة الماضي
الفصل السابع عشر 17
بقلم رانيا البحراوي
تحدثت دموع عمر قبل أن ينطق لسانه بهذا الوقت كان لسانه عاجزا عن نطق أنه فقد غاليته والدته الحبيبة ولكنه أجبر على أن يخبرها حتى يقوم بدوره كمعلم ويعلم منة درس في الحياة ألا تتسرع وتطلق أحكام مسبقة قبل أن تسمع وتفهم مايمر به المرء.
عمر:بالهاتف اتهمتيني بأهمالي لابنتي وقت سقوطها ولكنني في هذا الوقت كنت أحضر الطبيب لوالدتي التي كانت تصارع الموت وتركتها برفقة أختي ولكن أختي لم تنتبه لها بسبب قلقها على أمي وعدت بالطبيب لأجد أحد جيران والدتي أخذ ابنتي على المستشفى بعد سقوطها دون أن اعرف من هو أو إلى أي مستشفى أخذها واليوم اتهتمتيني بالتقصير دون أن تعلمي أنني تركت ابنتي لأواري الثري على أمي الغالية فمن سيحملها إذا لم يحملها ابنها وعدت والدموع تملأ قلبي قبل عيني حزنا على أمي قلقا على ابنتي حتى أرى فتاة صغيرة بعمرك توبخني.
خجلت منة بشدة وتساقطت دموعها مع كل كلمة من كلماته واستصغرت نفسها جدا وتعلمت درس جديد من دروس الحياة.
حاولت منة أن تعتذر منه ولكنه لم يسمح لها بالأعتذار وطلب منها مغادرة المستشفى.
منة بحزن :دعني أراها مرة أخرى.
أسرعت منة إلى الغرفة وهمست بأذنها هنئا لكِ بوالدك ليس كل الرجال مثل أبي وغادرت المستشفى وهي تبكي.
عادت منة إلى المنزل لتجد حمزة بالمنزل قبل موعد عودته من الشركة بوقت طويل.
منة :لماذا عدت مبكرا؟
حمزة :اخبريني أولا كيف حال الطفلة؟
قصت عليه منة ماحدث بالمستشفى.
حمزة :حقا لديكِ هذه الصفة متسرعة وتتطلقين أحكام مسبقة دون تفكير فهمت ذلك يوم صرختي بوجه الأستاذ عندما انقذنا ابنته من الكلب.
منة :خجلت كثيرا من نفسي اليوم ولكن تعلمت الدرس، اخبرني لماذا عدت إلى المنزل مبكرا؟
حمزة :انتهيت من تجهيز أوراق التجنيد اليوم، أرهقت كثيرا ولذلك عدت كي استريح بالمنزل.
بينما تدخل منة الغرفة ناداها حمزة :منة أريد أن اشكرك كثيرا بفضلك حللت المشكلة التي كانت بيننا أنا وميار وسعدت كثيرا بذلك.
منة :حقا؟ فرحت من أجلك.
صعد حمزة إلى غرفة والده يحدثه عن ميار وأنه يريد التقدم لخطبتها قبل أن يذهب للتجنيد.
هنئه والده واراد معانقته ولكن حمزة أبتعد قليلا مازال لايسامح والدته على فعلته مع الممرضة.
اتصل حمزة بوالدته وطلب منها أن تعود مبكرا ولكنها اخبرته أن لديها احتفال بالنادي مع صديقاتها بمناسبة طلاق أحدهن.
ضحك حمزة ساخرا واضطر أن يخبرها على الهاتف لأنه يعلم أنها ستعود بوقت متأخر.
فرحت والدته وهنئته وطلبت منه تحديد موعد مع اهلها للتعارف عليهم قبل أن يذهب للتجنيد.
دخل حمزة ليخبر جدته بتلك الأخبار السارة جلس بجانبها قبل يدها وطلب منها أن تدعو له سأل عن منة فأخبرته أنها تزور فاطمة زوجة حارس الفيلا لتطمئن عليها.
حمزة :إنها إنسانة طيبة بالصباح زارت ابنة المدرس والآن بزيارة فاطمة.
العمة :أنا دائما ادعو لك، لا تقل أنك هنا لتودعني قبل الذهاب إلى التجنيد.
حمزة :لا ولكن جئت لأبشرك أنني سأتقدم إلى خطبة الفتاة التي احبها قريبا.
لم يحول حزن هذه العمة الحنونة على حفيدتها بينها وبين سعادتها لابن اخيها فرغم حزنها على منة التي فقدت امانها فرحت لحمزة وعانقته وهنئته.
عادت منة لتجد بينهما هذا العناق فقالت لجدتها هكذا اغار أنا عليكي فحضنك خاص بي لا تضعي به غيري.
جدتها :هذا ابن اخي وله حق في حضني مثلك تماما.
منة :وما سبب فرحتكم إذن؟
سكت كلا من حمزة وجدته لتدخل والدته من الباب تزيح منة من طريقها وتأخذ حمزة من حضن عمته وتعانقه وتهنئه وتخبره أنها سعيدة جدا لأجله.
فهمت منة مايحدث وبصوت هادئ حزين قامت بتهنئة حمزة وعادت إلى الحديقة مرة أخرى.
للاسف لم تستطع منة البكاء حتى البكاء يحتاج إلى مكانا خاص نبكي به كي نخرج ألمنا دون أن يرانا أحد وبهذا الوقت لم تستطع الهروب إلى الحمام كعادتها لأن مدبرة المنزل كانت بالحمام.
أحتفظت بالدموع بقلبها بجانب الأحزان وجلست تتظاهر
بالسعادة على تلك الأريكة التي شهدت على مشاركتها له في الطعام والحديث، جميع من حولها حتى الهواء الذي كانت تستنشقه كان يخبرها أن قلب حمزة ليس ملكا لها وأن هناك أخرى توجت على عرش قلبه إلا قلبها مازال قلبها يحتفظ بحبه ولا يهتم لما يدور بفكره أو من هي التي تستقر بقلبه، أيعشق الإنسان الآلام احيانا يعشقها عندما يكون الألم مقترن بعشق إنسان ليس لنا ولن يكون أبدا مهما مر الزمان.
خرج حمزة ليرى بعينه الحزن الذي تحاول منة اخفائه حول تلك الابتسامات الزائفة التي تظهر تارة على وجهها وتختفي تارة، رأى الحزن مع تنهيدة الحزن التي تصاحب كلمات التهنئة والمباركة.
حمزة :شكرا لكِ والعاقبة لكِ، سيظهر بحياتك إنسان يحبك ويسعد بطيبة قلبك ونقائك، سيشاركك أحزانك وافراحك، سينسيكِ كل آلامك.
منة :لا أظن أن ذلك اليوم سيأتي إذا جاء الحب لي الحب يوما لن يجد مكان بقلبي سيفر هاربا بمجرد أن يطلع على أحزان قلبي.
حمزة :لن تدوم الأحزان سيأتي اليوم الذي تأتيكِ فيه السعادة وتهزم الحزن وتقتله.
منة :اتمنى ذلك.
وردت رسالة لمنة من الفتاة التي تعرفت بها على الشاطئ وتدعى هبة طلبت هبة لقائها في الغد ووافقت منة على ذلك.
منة :هذه هبة تطلب مني لقائها غدا، أفكر في ان اخرج غدا للقائها ثم أمر على المستشفى لأطمئن على ايسل.
حمزة :ولكن والدها طلب منعك من زيارتها مرة أخرى.
منة:سأعتذر منه وأطلب رؤيتها.
في اليوم التالي ذهبت منة لمقابلة هبة واستمرت هبة في سؤالها عن عمرها تحديدا وعن أفراد اسرتها وعن اقاربها التي تعيش معهم حاليا.
تعجبت منة لكثرة التساؤلات وسألتها :لماذا كل هذه الأسئلة؟
هبة :نتحدث حتى لا نشعر بالملل.
منة :ولكنني شعرت فعلا بالملل لا أريد التحدث عن ابي وعن اقاربي الذي اعيش معهم.
هبة :لنتحدث عن العمل ما رأيك أن تعملي معي أنا ابيع ملابس أون لاين وأريد من يساعدني في التسويق مارايك؟
منة :موافقة، اريد فعلا الاعتماد على نفسي.
هبة :سأرسل لكِ بعض الصور قومي بعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي واخبريني إذا طلب منكِ شيئا لأخبرك بكافة التفاصيل سعره وقيمة الشحن وكيفية التوصيل.
منة :اتفقنا إذن، دعيني اذهب لرؤية ايسل الآن.
هبة :من ايسل هل هي تقربك؟
منة بغضب :ليست قريبتي إنها ابنة معلمي.
كرهت منة فضول هبة ولكنها تحملتها فقط من أجل العمل الذي وعدتها به.
ذهبت منة لرؤية ايسل وكانت تفكر كيف سيسامحها عمر ويسمح لها بزيارة ابنته، ظلت منة تفكر حتى توصلت لحل طلبت منة من موظف الأستقبال التحدث في الميكرفون الذي يستدعى به الأطباء وأخبرته انها ستبحث عن طفل صغير.
سمح لها الموظف أن تتحدث وتحدثت بالفعل وأعتذرت من عمر في المايك عن حماقتها وعن تسرعها فما كان من عمر إلا شعر بالخجل وأسرع إلى الاستقبال ليخبرها أنه سامحها لكي تتوقف عن الكلام.
غضب الموظف واخذ منها المايك وطلب من الأمن طردها ولكن عمر لحق بهم وطلب منهم تركها.
منة:اسفة يامستر ولكنني لم أعرف كيف اكفر عن ذنبي.
عمر :مجنونة.
منة :أخبرني من فضلك هل فاقت ايسل؟
عمر :فاقت ولكنها تتألم كثيرا، الكسور التي بقدميها وايديها تؤلمها جميعا ولا تتوقف عن البكاء لحظة واحدة.
منة :أريد رؤيتها.
عمر :اتفضلي.
توقفت ايسل عن البكاء حين رأت منة ونظرت إليها بحزن وقالت :منة لن استطيع اللعب معكِ يداي وقدماي كسروا.
منة :وماذا لو اخبرتك اننا نستطيع اللعب رغم ذلك.
ايسل :كيف؟
منة:سأخبرك بأسم شخصية كرتونية وانتي تخبريني باسم فيلم الكرتون وباقي اسماء الشخصيات بهذا الفيلم وسأسجل على الهاتف نقاط كل منا لنعرف من سيفوز.
بالرغم من أن منة لم تكن تعلم من افلام الكرتون إلا قليل لان طفولتها لم تشبه باقي الأطفال ولكنها فتحت موقع جوجل واستعلمت عن تلك الأفلام حتى تقلل من شعور ايسل بالالم والملل.
عمر يجلس بالخارج كي يستريح من الألم الذي يشعر به كلما سمع بكاء ابنته مع عجزه عن تخفيف ألمها.
تفاجئ عمر أن ابنته توقفت عن البكاء والاغرب من ذلك أنه سمع صوت ضحكها.
اسرع عمر إلى الغرفة ليرى بعينه مايحدث، نسيت ايسل ألمها وبدأت تلهو بالحديث مع منة واللعبة التي ابتكرتها منة من أجل تسلية ايسل.
ظلت منة معها حتى تناولت طعامها ودوائها ونامت.
عمر:لا اعرف كي اشكرك.
منة :لا تشكرني وانما اطلب منك السماح على حماقتي.
عمر:رغم انزعاجي مما حدث ولكن اعجبت بشاجعتك وحبك الشديد لابنتي ولذلك تشاجرتي معي من أجلها ولذلك سامحتك وسمحت لكِ برؤية ابنتي خاصة بعد الاعتذار العلني التي قمتِ به وابتسم عندما ذكر ذلك الموقف.
ابتسمت منة ايضا.
عمر :لفت نظري شيئا مع سبب موقفك الغاضب من الرجال والتحامل عليهم واتهامهم بعدم المسئولية؟
منة :بسبب بعض النماذج في حياتي ولكن كلما رأيتك بجانب ايسل يتغير فكري عن الرجال.
شكرها عمر مرة أخرى وطلب منها رقم الهاتف في حال إذا سألت عليها ايسل.
مرت عدة أيام وتحدد موعد ذهاب اسرة حمزة للتقدم إلى خطبة ميار، اصطحب حمزة والديه واخوته وقبل أن يذهب دخل ليسلم على عمته ومنة ولكنه لم يجد منة بالغرفة هربت حيث المكان الذي تستطيع فيه إظهار حزنها.
والد ميار ضابط شرطة برتبة عميد وشقيقها ايضا ضابط برتبة ملازم أول مضت المقابلة والأب يحكي عن إنجازاته وكيفية أن الاجرام لايقتصر عن الكبار فقط والأطفال أيضا وأن دور الرعاية مليئة بالأطفال وكأنه يلمح أنه تحرى عنهم وأن بمنزلهم تعيش فتاة متخرجة حديثا من إحدى دور الرعاية.
والدة حمزة :هل تقصد شيئا بحديثك هذا.
والد ميار :اسم زوجك مسجل لدينا بأن اخته وكلته لاستلام طفلة من دار الرعاية الطفلة قاتلة وسارقة.
حمزة بغضب :ليست سارقة ولا قاتلة وإذا كانت ماذا يهمك في هذا الشأن فهي تعيش معنا وليس معكم.
ميار بغضب :تعيش معكم كيف لم تخبرني بذلك؟
حمزة :لأنه أمر لا يعنيكِ؟
والد ميار :ماذا إذا زارت ابنتي والديك الن تحتك بهذه الفتاة ماذا لو تربصت لقتلها أو سرقتها؟
حمزة :ولكنها ليست مجرمة إنها بريئة.
والد ميار :اشترط بهذا الزواج أن تطرد هذه الفتاة من منزلك.